حوكمة المشاريع المستدامة: من الحوكمة المؤسسية إلى حوكمة المشروع

مقدمة
في عالمٍ تتسارع فيه التحديات البيئية والاجتماعية، لم يعد نجاح المشروع مرتبطًا بقدرة الفريق على الالتزام بالوقت والميزانية فحسب، بل بقدرته على اتخاذ قرارات عادلة وشفافة ومسؤولة تعكس قيم المؤسسة وتُترجم استراتيجيتها إلى ممارسة يومية. وهنا تأتي الحوكمة باعتبارها العمود الفقري الذي يربط بين رؤية المؤسسة وتنفيذ مشاريعها، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بالمشاريع المستدامة التي تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بشكل معقد وحساس.
يشير الدليل المرجعي The GPM Practice Guide (3rd Edition) إلى أن الحوكمة الجيدة ليست مجموعة من الإجراءات الصارمة بقدر ما هي ” مجموعة علاقات وعمليات “ تهدف لضمان أن القرارات المتخذة داخل المشروع تُدار بمسؤولية وتخضع للمساءلة، وتعكس مبادئ العدالة والشفافية والنزاهة. في هذا السياق، تصبح الحوكمة إطارًا أخلاقيًا يُوجّه السلوك قبل أن تكون نظامًا إداريًا يُراقب الأداء.
من الحوكمة المؤسسية إلى المشروع: خيط واحد يمر عبر أربعة مستويات
الحوكمة تبدأ على مستوى المؤسسة (Organizational Governance)، حيث تُحدَّد القيم العليا، والرؤية، والسياسات العامة، وهي البوصلة التي يجب أن تسترشد بها المحافظ والبرامج والمشاريع. ومن هنا، ينتقل الإطار الحاكم إلى مستوى المحافظ (Portfolio Governance) الذي يهتم بتحديد المشاريع الأنسب لتحقيق الاستراتيجية، والموازنة بين المخاطر والعوائد، وضمان ألا تتعارض المشاريع المختارة مع مبادئ المؤسسة أو تخلق تأثيرات ضارة تتعارض مع أهدافها البيئية والاجتماعية.
ثم يأتي دور حوكمة البرامج (Program Governance)، التي تُعنى بربط المشاريع ببعضها ضمن نسيج واحد، ومعالجة التشابكات بينها، وضمان أن القيمة المتولدة ليست مجرد قيمة فردية لكل مشروع، بل قيمة تراكمية تخدم الهدف الاستراتيجي الأكبر.
أخيرًا، تصل الحوكمة إلى مستوى المشروع (Project Governance)، حيث تتحول القيم والسياسات العليا إلى قرارات يومية ملموسة: كيف نختار الموردين؟ كيف نُشرك المجتمع؟ كيف نقيّم المخاطر البيئية؟ كيف نُدير الانبعاثات؟ هذه الأسئلة – وغيرها – هي ما يجعل الحوكمة المستدامة أكثر من مجرد بروتوكول إداري، بل ممارسة واعية توجه مسار المشروع نحو أثر إيجابي طويل الأمد.
خصائص الحوكمة الجيدة: ليس ماذا نفعل… بل كيف نفعل؟
يتناول الدليل مجموعة خصائص تجعل الحوكمة فعّالة، مثل الشفافية، والمساءلة، والمشاركة، والعدالة، والالتزام بالقيم الأخلاقية. لكن ما يهم في المشاريع المستدامة تحديدًا هو كيفية تحويل هذه الخصائص إلى أفعال. فالشفافية تتحول إلى نشر مفتوح لمعلومات المشروع وأثره. والمساءلة تتحول إلى آلية مراجعة دورية للأداء البيئي والاجتماعي.
والمشاركة تتحول إلى إشراك المجتمع المحلي وأصحاب المصلحة منذ المراحل الأولى. أما العدالة فتترجم إلى سياسات شراء مسؤولة وقرارات تقلل الفجوات بدل أن تعمقها. هكذا تصبح خصائص الحوكمة مبادئ مُلزمة تُمارَس لا شعارات تُرفَع.
إطار حوكمة المشروع: حين تتحول المبادئ إلى نظام عمل
يوضّح الإطار المعروض في الدليل كيف تتقاطع الحوكمة مع جميع جوانب المشروع، من اختيار الفريق إلى إدارة التغيير. ما يميز هذا الإطار هو أنه لا يفصل بين الجانب الفني والجانب القيمي؛ فهما متداخلان. فعلى سبيل المثال:
- اختيار المشاريع لا يعتمد فقط على الجدوى المالية، بل على مدى توافقها مع الرؤية البيئية والاجتماعية للمؤسسة.
- تخصيص الموارد لا يتم بمعزل عن تأثيرها في المجتمع أو البيئة المحيطة.
- التعامل مع المخاطر لا ينحصر في المخاطر المالية، بل يشمل مخاطر السمعة، والتأثير البيئي، والعدالة الاجتماعية.
ويمكن القول إن هذا الإطار يمنح مدير المشروع ” عدسات متعددة “ يرى من خلالها حقيقة المشروع كاملة، وليس جانبه التقني فقط.
لماذا تُعد الحوكمة الجيدة شرطًا أساسيًا للمشاريع المستدامة؟
يوضح الدليل أن المشاريع المستدامة بطبيعتها مشاريع معقدة، يتداخل فيها أثر المشروع على البيئة والاقتصاد والمجتمع، ومع هذا التعقيد يزداد خطر الانحراف أو الاستخدام غير المسؤول للموارد أو اتخاذ قرارات لا تراعي الأثر الطويل. هنا تظهر أهمية الحوكمة الجيدة كعامل استقرار:
- فهي تعيد ضبط البوصلة كلما انحرف المشروع نحو قرار يهدد التوازن البيئي أو العدالة الاجتماعية.
- وتضمن أن الموارد تُستخدم للأولويات الحقيقية، لا للمصالح الفردية.
- وتفرض المساءلة على كل قرار قد يخلق ضررًا طويل الأجل.
وبهذا تصبح الحوكمة الجيدة ضمانًا أخلاقيًا قبل أن تكون ضمانًا إداريًا، وشرطًا رئيسيًا لضمان أن المشروع لا يكتمل فقط… بل يكتمل بطريقة تشرف المؤسسة وتخدم المستقبل.
خاتمة
الحوكمة المستدامة ليست طبقة إضافية فوق المشروع، بل هي ” النسيج“ الذي يُحاك منه المشروع نفسه. إنها تربط بين الاستراتيجية والتنفيذ، وبين القيم والقرارات، وبين المؤسسة والمجتمع. وعندما تُمارَس الحوكمة بهذا العمق، يصبح المشروع قصة متكاملة تُكتب بلغة المسؤولية والعدالة والشفافية، لا بلغة الأرقام وحدها.
📚 المصدر:
GPM Global. (2024). Sustainable Project Management: The GPM Practice Guide (3rd Edition).



