الإستدامةتقارير

نقطة تحوّل في قطاع الطاقة الأسترالي

الطاقات المتجددة تتجاوز 50% من الإمدادات والأسعار تهوي والشبكة تصمد أمام موجات الحر

مقدمة

شهدت أستراليا هذا الأسبوع لحظة مفصلية في مسار تحولها الطاقي، مع صدور تقرير ديناميكيات الطاقة للربع الرابع من عام 2025 عن Australian Energy Market Operator، والذي أكد أن الطاقات المتجددة شكّلت أكثر من 50% من إجمالي إمدادات الكهرباء خلال الربع، في سابقة تاريخية تعكس تسارع التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.

الأثر لم يكن بيئيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا؛ إذ أدت هذه القفزة إلى انخفاض أسعار الكهرباء بالجملة بنحو 50%، في وقتٍ كانت فيه البلاد تواجه موجات حر غير مسبوقة وحرائق مدمّرة في جنوب شرق أستراليا. وعلى عكس الروايات التي لطالما روجت لها مصالح الوقود الأحفوري، أثبتت الوقائع أن زيادة حصة الطاقة المتجددة لم ترفع الأسعار ولم تضعف موثوقية الشبكة، بل حدث العكس تمامًا.

تراجع تاريخي للفحم والغاز

أظهر التقرير أن توليد الكهرباء من الفحم انخفض بنسبة 4.6%  على أساس سنوي، مسجّلًا أدنى مستوى فصلي في تاريخ أستراليا. أما الغاز، فقد كان التراجع أكثر حدة، حيث هبط توليده بنسبة 27%  ليصل إلى أدنى مستوى له منذ 25 عامًا. هذه الأرقام تعكس تحوّلًا هيكليًا عميقًا في مزيج الطاقة، وليس مجرد تذبذب موسمي.

شبكة أكثر صلابة في وجه الطقس المتطرف

خلال العقد الماضي، تحسنت موثوقية الشبكة الكهربائية بشكل ملحوظ، رغم التزامن المتزايد بين الطلب المرتفع وموجات الحر الشديدة. اللافت أن هذه الفترات نفسها شهدت إنتاجًا قياسيًا من الطاقات المتجددة المتقلبة  (VRE)، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، ما عزز قدرة الشبكة على الاستجابة للضغط بدل أن يضعفها.

البطاريات: عامل التغيير الأكبر منذ 2025

لكن التحول الأعمق، والذي بدأ يتجلى بقوة في عام 2025 وسيتسارع أكثر في 2026، يتمثل في أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات.  فقد أشار تقرير AEMO إلى أن تفريغ البطاريات تضاعف تقريبًا ثلاث مرات خلال الربع الأخير من العام. سواء على مستوى المنازل (Behind-the-meter) أو على نطاق المرافق الكبرى، أصبحت البطاريات عنصرًا أساسيًا في استقرار الشبكة، إذ:

  • توفر طاقة فورية خلال ذروة الطلب
  • تنقل الطاقة الشمسية منخفضة التكلفة من فترات الطلب المنخفض إلى المرتفع
  • تقلل الاعتماد على محطات الغاز السريعة والمكلفة

اقتصاديات لا تُقاوَم وسياسات داعمة

النجاح لم يكن ممكنًا دون التحول الجذري في الاقتصاديات. فقد انخفضت أسعار البطاريات بنحو 90% خلال العقد الماضي، وبنحو 50%  خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط.  واستغلت الحكومة الفيدرالية هذا التحول لإطلاق برنامج Cheaper Home Batteries، الذي أدى إلى تركيب نحو 200 ألف بطارية منزلية خلال ستة أشهر فقط، بسعة إجمالية بلغت 4.7  غيغاواط ساعة خلف العداد.

ويأتي هذا بالتوازي مع ريادة أستراليا العالمية في الطاقة الشمسية على الأسطح.  وقد قام وزير الخزانة Jim Chalmers  مؤخرًا برفع مخصصات البرنامج إلى 7.2  مليار دولار أسترالي، في إشارة واضحة إلى أن التخزين أصبح ركيزة لا هامشًا في سياسة الطاقة.

تخزين ضخم على مستوى المرافق

على مستوى المشاريع الكبرى، برزت أستراليا كثالث أكبر سوق عالمي لتركيب البطاريات في عام 2025، بعد الولايات المتحدة والصين، مع توقع تكرار هذا الإنجاز في 2026. ومن أبرز الأمثلة تشغيل شركة Akaysha Energy  ثاني مشروع تخزين لها قرب بريزبن قبل الموعد بخمسة أشهر، بعد نجاح بطارية Brendale  بقدرة 205  ميغاواط / 410 ميغاواط ساعة، والتي تلعب دورًا محوريًا في شبكة كوينزلاند. هذا التوسع السريع حتى عام 2027 يسمح بدمج حصة أكبر من الطاقات المتجددة دون الحاجة إلى توسعات ضخمة في شبكات النقل، مستفيدًا من البنية التحتية القائمة.

هل يمكن الاستغناء عن الغاز بالكامل؟

رغم هذا التقدم، لا يزال الغاز يلعب دورًا محدودًا ومؤقتًا في استقرار النظام، لكن الاتجاه واضح: دوره يتقلص بسرعة. فمع تطور كثافة الطاقة في البطاريات، وانتقالها من أنظمة تفريغ لساعتين إلى أربع ساعات، وربما ثماني ساعات مستقبلًا، تشير التوقعات إلى أن البطاريات قد تتجاوز الغاز في حصتها من الشبكة بحلول عام 2027.

الفحم: عبء متزايد على النظام

في المقابل، تتزايد مشكلات محطات الفحم المتقادمة، التي أصبحت أكثر عرضة للأعطال. وتُعد قرارات دعم مناجم الفحم أو تأجيل إغلاق محطات ضخمة مثل Eraring  تذكيرًا بأن أي تأخير في بناء بدائل نظيفة وسريعة قد يعرّض أمن الطاقة لمخاطر غير ضرورية.

مقارنة عالمية ورسالة واضحة

في خضم الجدل حول الطاقة النووية خلال انتخابات 2025، أعلنت الصين عن إضافة 446  غيغاواط من الطاقات المتجددة و174 غيغاواط ساعة من البطاريات في عام واحد فقط، في حين لم تتجاوز الإضافات النووية 1.7 غيغاواط—رقم يكاد لا يُذكر مقارنة بزخم المتجددة.

الخلاصة: التحول الطاقي لم يعد خيارًا

إن موجات الحر والحرائق المتزايدة ليست سوى انعكاس للتكلفة الحقيقية لتغير المناخ. وما يحدث في أستراليا اليوم يثبت أن الانتقال السريع إلى طاقات متجددة مدعومة بالتخزين ليس فقط ضرورة بيئية، بل خيار اقتصادي وشبكي أكثر كفاءة ومرونة. رغم حملات التضليل، بات واضحًا أن تحول نظام الطاقة لا يمكن إيقافه، وأن فوائده—من انخفاض الأسعار إلى صمود الشبكة—أصبحت ملموسة للجميع.

📚  المصدر

pv magazine Australia. (2026, January 29). Turning point: renewables surge to >50% of supply, wholesale power prices plunge, grid resilient to heatwaves. https://www.pv-magazine-australia.com/2026/01/29/turning-point-renewables-surge-to-50-of-supply-wholesale-power-prices-plunge-grid-resilient-to-heatwaves/

م. نادية مهدي

مهندسة كهرباء. خبيرة معتمدة من مؤسسة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في إدارة أنظمة الطاقة، حاصلة على درجة الماجستير في هندسة الكهرباء، أسعى لنشر الوعي وإثراء المحتوى المتخصص في مجال كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى حصري