إعادة تدوير بطاريات الليثيوم للمركبات
من عبء بيئي إلى ركيزة استراتيجية لسلاسل الطاقة

مقدمة: حين تتحول نهاية عمر البطارية إلى بداية دورة اقتصادية جديدة
خلال السنوات القليلة الماضية، شهد قطاع إعادة تدوير بطاريات الليثيوم للمركبات الكهربائية نموًا متسارعًا، مدفوعًا بالانتشار العالمي السريع للسيارات الكهربائية، وارتفاع الطلب على المواد الخام الاستراتيجية، وتصاعد المخاوف البيئية المرتبطة بالتخلص من البطاريات المستهلكة. ولم يعد هذا القطاع هامشيًا أو تجريبيًا، بل أصبح ساحة تنافس تجذب كبار اللاعبين في صناعة البطاريات والمواد، مثل CATL وTianqi Lithium، الساعين إلى حجز موقع مبكر في واحدة من أكثر حلقات سلسلة القيمة حساسية.
أولًا: الطلب المتصاعد على بطاريات الليثيوم… وقنبلة نهاية العمر
يشكّل النمو السريع لسوق المركبات الكهربائية المحرك الأساسي لازدهار إعادة التدوير. ففي الصين وحدها، سُجِّل بيع 717 ألف مركبة طاقة جديدة في مايو 2023، بزيادة تجاوزت 60% على أساس سنوي، بينما بلغ إجمالي المبيعات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2.94 مليون مركبة.
عالميًا، تشير تقديرات International Energy Agency إلى وصول مبيعات المركبات الكهربائية إلى نحو 14 مليون مركبة في 2023، أي ما يعادل قرابة 18% من إجمالي مبيعات السيارات. ونتيجة لذلك، ارتفع استهلاك بطاريات المركبات الكهربائية إلى 513 غيغاواط ساعة في 2022، بزيادة تقارب 91% عن العام السابق.
لكن بطاريات الليثيوم ليست أبدية؛ إذ يتراوح عمرها التشغيلي عادة بين 6 و8 سنوات. ومع دخول ملايين المركبات الكهربائية إلى الطرق، بدأت موجة البطاريات المتقادمة بالظهور. ففي الصين فقط، تم التخلص من 113 ألف طن من بطاريات المركبات القديمة بين يناير وأغسطس 2023، بزيادة 78%، مع توقع أن تحتاج 275 ألف مركبة إلى استبدال بطارياتها بنهاية العام، ما يعادل 13.6 غيغاواط ساعة من البطاريات المستهلكة.
الأهم أن التوقعات تشير إلى أنه بحلول 2030، ستصل البطاريات المتقادمة عالميًا إلى سعة تقارب 463 غيغاواط ساعة—وهو رقم كفيل بتحويل إعادة التدوير من خيار إلى ضرورة صناعية.
ثانيًا: السياسات الحكومية… من التنظيم إلى التحفيز
مع اقتراب موجة البطاريات المتقادمة، بدأت الحكومات حول العالم في التحرك لوضع أطر تنظيمية واضحة تدعم إعادة التدوير وتفرض المسؤولية على المنتجين.
في الاتحاد الأوروبي، شكّل توجيه Waste Electrical and Electronic Equipment (WEEE) الصادر عام 2006 حجر الأساس لتنظيم التخلص من بطاريات المركبات، حيث ألزم الدول الأعضاء بإنشاء أنظمة إعادة تدوير فعالة، وفرض على الشركات المصنعة مسؤولية جمع ومعالجة البطاريات التي تطرحها في السوق.
أما في الصين، فقد أصدرت الجهات الحكومية في عام 2018 إرشادات خاصة بتشجيع وتنظيم إعادة تدوير وإعادة استخدام بطاريات الليثيوم المتقادمة، مترافقة مع حوافز مباشرة مثل الإعفاءات الضريبية والدعم المالي لمشاريع إعادة التدوير، ما ساهم في تسريع تشكّل منظومة صناعية متكاملة.
ثالثًا: تطور تقنيات إعادة التدوير… من المعالجة إلى الاسترجاع عالي القيمة
التقدم التكنولوجي لعب دورًا محوريًا في جعل إعادة تدوير بطاريات الليثيوم عملية مجدية اقتصاديًا وقابلة للتوسع. ومن أبرز التقنيات المستخدمة حاليًا:
- المعالجة الحرارية (Pyrolysis) : تعتمد على درجات حرارة عالية لتفكيك مكونات البطارية وتحويلها إلى مواد قابلة للاستخلاص.
- المعالجة المائية (Hydrolysis) : تستخدم تفاعلات كيميائية مع الماء تليها عمليات تحليل كهربائي لاستخراج المواد الخام.
- الطرق الكيميائية : تقوم على تفاعلات موجهة لإنتاج مركبات جديدة تُستخدم مباشرة كمواد أولية.
- التحليل الكهربائي (Electrolysis) : يتيح فصل العناصر الأساسية مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت بكفاءة عالية.
هذه التقنيات لم تعد حبيسة المختبرات، بل أصبحت مطبقة على نطاق صناعي، ما عزز ثقة المستثمرين في هذا القطاع.
رابعًا: نضج سلسلة القيمة… من الجمع إلى إعادة الإدماج الصناعي
تشهد سلسلة إعادة تدوير بطاريات الليثيوم درجة متزايدة من التنظيم والتخصص. فعمليات الجمع، والنقل، والمعالجة، وإعادة التصنيع أصبحت أكثر تكاملًا، مع وضوح أدوار كل حلقة في السلسلة.
كما أدى دخول شركات إعادة تدوير مستقلة ومزودي تقنيات متخصصة إلى تحسين الكفاءة التشغيلية، وتسريع بناء البنية التحتية اللازمة، ما انعكس إيجابًا على نمو القطاع ككل.
خامسًا: ثلاثة آثار عملية لإعادة تدوير بطاريات المركبات
حماية البيئة والإنسان
تحتوي البطاريات المستهلكة على مواد خطرة مثل الإلكتروليتات والمعادن الثقيلة. إعادة تدويرها تقلل من التلوث، وتدعم الانتقال نحو اقتصاد دائري منخفض الكربون.
تأمين موارد استراتيجية للصناعة
إعادة التدوير تضمن إمدادات مستقرة من الليثيوم، النيكل، الكوبالت، والمنغنيز، وتقلل الاعتماد على التعدين الأولي، بما يعزز أمن سلاسل التوريد.
تعزيز التكامل الصناعي
تزايد أسعار المواد الخام، مثل كربونات الليثيوم، أعاد تسليط الضوء على أهمية إعادة تدوير بطاريات LFP وغيرها. وتشير الدراسات إلى تعاون وثيق بين شركات إعادة التدوير المستقلة ومصنّعي البطاريات، حيث يتم تحويل المخلفات إلى مواد أولية عالية الجودة تُعاد دمجها مباشرة في سلاسل الإنتاج، ما يخفف اختناقات العرض ويعزز الاستقرار السعري.
الخلاصة
لم تعد إعادة تدوير بطاريات الليثيوم للمركبات الكهربائية مجرد استجابة بيئية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان استدامة قطاع النقل الكهربائي وسلاسل توريد البطاريات عالميًا. ومع اقتراب موجة ضخمة من البطاريات المتقادمة، سيكون النجاح من نصيب الدول والشركات التي استثمرت مبكرًا في البنية التنظيمية، والتقنيات، والتكامل الصناعي. فبطارية الأمس لم تعد نفاية، بل مورد الغد.
📚 المصدر
Manly Battery – The Rise of Car Lithium Battery Recycling
https://manlybattery.com/the-rise-of-car-lithium-battery-recycling



