نظام PRiSM™ : كيف تعيد إدارة المشاريع صياغة مفهوم الاستدامة في كل مرحلة

مقدمة
في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات البيئية والاجتماعية، لم يعد المشروع مجرد خطة زمنية وموازنة ونتائج متوقعة. المشروع اليوم حكاية متشابكة الأطراف: موردٌ طبيعي يُستنزَف أو يُستعاد، مجتمعٌ يتأثر سلبًا أو يُمَكَّن، واقتصادٌ يتقلّب بين الربح السريع والقيمة المستدامة. وسط هذا المشهد ظهرت منهجية PRiSM™ – Projects Integrating Sustainable Methods لتقدّم طريقة مختلفة لحكي قصة المشروع؛ طريقة تجعل الاستدامة جزءًا من بنيته، لا ملحقًا تجميليًا في تقريره النهائي.
المنهجيات التقليدية في إدارة المشاريع كانت تنظر إلى النجاح من نافذة ضيقة: هل التزمنا بالوقت؟ هل حافظنا على الميزانية؟ هل سلّمنا ما وعدنا به؟ في المقابل، تدعو PRiSM إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا ترك هذا المشروع خلفه؟ هل ساهم في تجديد الموارد الطبيعية أم استنزافها؟ هل خفّف من عدم المساواة أم عمّقه؟ هل خلق قيمة طويلة الأمد أم مجرد نتائج قصيرة العمر؟ من هنا، يتحول المشروع من نشاطٍ منفصل إلى استثمارٍ موجَّه بعناية، يدعم مخرجات استراتيجية ويمتد أثره إلى ما بعد تاريخ الإقفال الرسمي.
من تعريف المشروع إلى فهم بيئته
في دليل Sustainable Project Management: The GPM Practice Guide (3rd Edition) يُعرَّف المشروع باعتباره استثمارًا منظمًا على فترة زمنية محدودة لتحقيق نتيجة فريدة تدعم مخرجًا مرغوبًا. هذا التعريف البسيط يحمل خلفه فكرة محورية في “PRiSM” المشروع ليس مجرد”تنفيذ“، بل أداة لتغيير مقصود، ويجب أن يُقاس بما يُحدثه من أثر، لا بما يستهلكه من موارد فحسب.
بيئة المشروع في هذا السياق لم تعد تقتصر على الإدارة والعميل والموردين؛ بل تمتد لتشمل المجتمع المحلي، المنظومة البيئية المحيطة، السياسات التنظيمية، وتوجهات الاقتصاد الكلّي. يوضّح الدليل أن المشروع يتحرك داخل طبقات متداخلة من السياق المؤسسي والخارجي، وأن أي قرار صغير داخل فريق العمل يمكن أن يترك أثراً واسعًا يتجاوز جدران المنظمة.
دورة حياة تحكي قصة الاستدامة
تُقسِّم PRiSM دورة حياة المشروع إلى خمس مراحل رئيسية: ما قبل المشروع، الاكتشاف، التصميم، التنفيذ، ثم الإقفال، حيث تُطرَح في كل مرحلة أسئلة الاستدامة جنبًا إلى جنب مع الجدوى الفنية والمالية. في ما قبل المشروع يُفحَص اتساق فكرة المشروع مع استراتيجية المنظمة وأهداف التنمية المستدامة، لفرز المشاريع التي توازن بين الربحية والمسؤولية. في الاكتشاف يتم تعميق فهم الأثر عبر تحديد المتطلبات وتحليل أصحاب المصلحة وإجراء تقييم أولي لتأثير المشروع على الناس والبيئة والاقتصاد باستخدام أداة P5 Impact Analysis.
في التصميم تُوجَّه الفرق إلى حلول قابلة للإصلاح وإعادة الاستخدام وتقليل الفاقد ودمج مبادئ الاقتصاد الدائري، بحيث يخدم المنتج الإنسان دون الإضرار بالطبيعة. أما التنفيذ فيُقاس بجودة الممارسات الفعلية مثل أسلوب الشراء وإدارة النفايات والسلامة والتواصل المجتمعي، لا بالجداول الزمنية فقط. وعند الإقفال تُراجع المنافع المتحققة، ويُسجَّل الأثر البيئي والاجتماعي وتوثَّق الدروس المستفادة، ليتحوّل الإقفال من إجراء شكلي إلى لحظة تقييم حقيقية لما أُنجِز وكيف يمكن تحسينه في المشاريع القادمة.
P5 لغة جديدة لقياس أثر المشاريع
في قلب PRiSM تقف معايير P5 : People ، Planet، Prosperity، Process، Product. هذه المعايير لا تُستخدم كشعار إنشائي، بل كإطار تحليلي يُطبَّق في وثيقة منهجية تحمل اسم P5 Impact Analysis
من خلال هذا التحليل، يتم تفكيك المشروع إلى مسارات أثر: كيف سيؤثر على العاملين والمجتمعات (People)؟ كيف سيتعامل مع الانبعاثات، المياه، التنوع الحيوي (Planet)؟ ما نوع القيمة الاقتصادية التي سينشئها، ولمن (Prosperity)؟ كيف تُدار العمليات المرتبطة به، وهل هي شفافة وعادلة (Process)؟ ثم أخيرًا، ما خصائص المنتج أو الخدمة نفسها، ومدى قابليتها للاستمرار والتطور دون خلق أضرار إضافية (Product)؟
بهذه اللغة الجديدة، يتوقف المشروع عن أن يكون ملفاً رقمياً على نظام إدارة المشاريع، ويصبح شبكة علاقات وتأثيرات يمكن تتبعها وقياسها وتعديلها عند الحاجة.
ما الذي تضيفه PRiSM لعالمنا العربي؟
بالنسبة لبيئتنا العربية، المليئة بمشروعات الطاقة والبنية التحتية والتحول الرقمي، تحمل PRiSM قيمة مضاعفة. كثير من هذه المشروعات يجري في سياقات حساسة: ندرة مياه، تحديات مناخية، فجوات اجتماعية واقتصادية. استخدام إطار مثل PRiSM يعني أن مدير المشروع العربي لن يقيس النجاح بعدد الكيلومترات المنجزة أو عدد الألواح الشمسية المركَّبة فحسب، بل بما حققته هذه المشروعات من خفض للانبعاثات، أو خلق لفرص عمل لائقة، أو تحسين لنوعية حياة المجتمعات المحيطة.
كما أن المنهجية تتناغم بسهولة مع أجندات وطنية قائمة على التحول الأخضر ورؤى 2030 في عدة دول عربية، ومع مشاريع الهيدروجين الأخضر، والمدن الذكية، ومناطق الطاقة المتجددة. هنا يمكن أن تصبح PRiSM أداة وصل بين طموحات السياسات العليا وبين التنفيذ اليومي على أرض المشروع.
خاتمة
منهجية PRiSM ليست وصفة سريعة لإدارة المشاريع، بل هي طريقة مختلفة للنظر إلى المشروع من البداية: كأداة لتجديد العالم لا لاستنزافه. حين يتبنى مدير المشروع هذا المنظور، تتغير طريقة صياغة دراسة الجدوى، وتتغير لغة النقاش داخل الفريق، وحتى طريقة كتابة تقرير التقدم الشهري؛ فالأرقام المالية والزمنية تظل مهمة، لكنها لم تعد وحدها في الواجهة.
في النهاية، تحاول PRiSM أن تكتب فصلًا جديدًا في قصة إدارة المشاريع: فصلًا تقول فيه المؤسسات إنها قادرة على تحقيق الربح والمسؤولية في الوقت نفسه، وإن كل مشروع يمكن أن يكون خطوة صغيرة في اتجاه عالم أكثر عدلاً واستدامة.
📚 المصدر:
GPM Global. (2024). Sustainable Project Management: The GPM Practice Guide (3rd Edition).
الفصل الخامس PRiSM Basics، الصفحات 59–79



