من الاستدامة إلى التجديد: التحول الجذري في إدارة المشاريع

مقدمة
لم تعد الاستدامة اليوم مجرد محاولة لتقليل الضرر أو تخفيف الأثر السلبي للمشاريع؛ لقد تجاوز العالم هذه المرحلة، وبدأ يتحدث عن نموذج أكثر طموحًا يُعرف بـ الاستدامة التجديدية (Regenerative Sustainability) ، هذا النموذج لا يكتفي بحماية الموارد، بل يسعى إلى إعادة بنائها، وإحياء الأنظمة الطبيعية، وتمكين المجتمعات، وإعادة توازن العلاقات بين الإنسان والبيئة. ومع هذا التحول، أصبح من الضروري إعادة التفكير في الطريقة التي تُدار بها المشاريع، سواء كانت مشاريع طاقة، أو بنية تحتية، أو تطوير حضري، أو حتى مشاريع اجتماعية وتنموية.
يعرض دليل GPM لإدارة المشاريع المستدامة تطور مفهوم الاستدامة عبر مراحل متتالية، تبدأ من “عدم الإضرار”، وتصل في نهايتها إلى الاستدامة التجديدية. هذا التطور يعكس تحولًا في فهم العالم لطبيعة الأزمات التي نعيشها، ولمدى كفاءة نماذج الإدارة التقليدية في مواجهتها.
من “عدم الإضرار” إلى إعادة الإحياء
كانت المرحلة الأولى في مسار تطور الاستدامة تقوم على مبدأ بسيط: لا تسبّب ضررًا. كان الهدف هو الحد من التلوث، تقليل النفايات، والامتثال للحدود التنظيمية. بدا الأمر وكأنه نجاح في لحظته، لكن التجربة أثبتت أن “الحدّ من الضرر” ليس كافيًا في عالم يعاني من استنزاف متسارع للموارد، وتغير مناخي متفاقم، وتدهور مجتمعات محلية تعتمد على بيئات هشة. هنا ظهر مبدأ جديد: ليس المطلوب فقط ألا نُفسد… بل أن نُصلِح.
ومن هذه الفكرة انطلقت موجة التفكير في الحلول التي تُعيد بناء ما تضرّر، وليس مجرد الحد من الضرر القادم.
موجات الضغط المجتمعي: عندما يطالب المجتمع بما هو أبعد من “الالتزام”
من التحولات اللافتة التي يبرزها دليل GPM ظهور موجات ضغط مجتمع–مؤسسة، وهي تحولات اجتماعية دفعت المؤسسات إلى إعادة النظر في دورها. لم يعد المجتمع يرى الشركات بوصفها جهة اقتصادية فقط، بل جهة مسؤولة عن أثرها على الطبيعة والإنسان. ظهرت أربعة أنواع من الضغط المتصاعد:
- ضغط الامتثال (Compliance Pressure)حيث يُطالب المجتمع المؤسسات بالالتزام بالقوانين والحدود الدنيا.
- ضغط الشفافية (Transparency Pressure) لم يعد يكفي أن تعمل المؤسسة بشكل جيد؛ يجب أن تُظهِر للناس كيفية عملها.
- ضغط القيم (Values Pressure) توجهات المستهلكين تغيّرت: الناس تريد منتجات وخدمات تخدم الكوكب.
- ضغط التجديد (Regeneration Pressure) المرحلة الأعمق، حيث يُطالب المجتمع المؤسسات بتقديم حلول تُصلح الأضرار التاريخية وتعيد بناء النظم الطبيعية.
هذه الموجات لا تؤثر على مؤسسات الطاقة أو البيئة فقط، بل على كل مؤسسة تسعى إلى مواكبة معايير السوق الحديثة.
الانتقال من الاستدامة التقليدية إلى الاستدامة التجديدية
يميز الدليل بوضوح بين ثلاثة مستويات:
1. الاستدامة التقليدية (Conventional Sustainability)
تركز على:
- تقليل الانبعاثات
- إدارة النفايات
- كفاءة استخدام الموارد
لكنها تبقى في إطار تقليل الضرر.
2. الاستدامة المرمّمة (Restorative Approaches)
هنا يبدأ المشروع في معالجة الأضرار، مثل:
- إعادة تشجير الأراضي المتدهورة
- تنظيف مصادر المياه
- إعادة تأهيل مجتمعات تضررت من مشروعات سابقة
هذه مرحلة أعلى، لكنها لا تزال تركز على ” إزالة الضرر“.
3. الاستدامة التجديدية (Regeneration)
وهي المرحلة التي تُحدث القفزة الحقيقية. مشاريع التجديد لا تزيل الضرر فحسب، بل تبني قدرات جديدة للأنظمة الطبيعية والاجتماعية. بمعنى آخر: المشروع يصبح جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة. يمكن لمشاريع الطاقة المتجددة، المدن الذكية، وإعادة تدوير الموارد أن تكون مشاريع تجديدية إذا ساهمت بالفعل في:
- إعادة إحياء التربة
- تحسين التنوع الحيوي
- تمكين المجتمعات اقتصاديًا
- تعزيز الرفاه الاجتماعي
- رفع كفاءة الأنظمة الطبيعية بدل استنزافها
ويُعرض في الدليل شكل تفسيري (Progression to Regeneration) يبين هذا الانتقال التدريجي من الحدّ من الضرر إلى تحقيق الأثر الإيجابي المتزايد عبر أساليب إصلاحية ثم تجديدية.
لماذا هذا التحول مهم في إدارة المشاريع؟
لأن النماذج القديمة لم تعد قادرة على الاستجابة للتغيرات المناخية والضغوط الاجتماعية. أصبحت المؤسسات مطالبة بأن:
- تبتكر حلولًا تعيد بناء الطبيعة بدل استنزافها
- تفكر في الأثر طويل الأمد بدل النجاح قصير المدى
- تعيد توجيه استثماراتها نحو المجتمعات
- تخلق قيمة تتجاوز المال لتشمل الصحة، العدالة، والمرونة البيئية
الاستدامة التجديدية ليست تقنية، بل فلسفة جديدة تعيد تعريف دور المشروع في العالم.
كيف يمكن لمديري المشاريع تفعيل هذا التحول؟
حتى يصبح المشروع تجديديًا، يجب أن يُدار بعقلية مختلفة. يشير الدليل إلى عدة ممارسات محورية، أهمها:
- دمج القيم البيئية والاجتماعية في التصميم الأولي
- قياس الأثر الحقيقي بدل الاكتفاء بمؤشرات الامتثال
- التفكير في دورة حياة الموارد “من المصدر إلى المصدر”
- إشراك المجتمع المحلي في القرار
- استخدام منهجيات تفكير نُظُمي وليس خطيًا
- تحويل المهام التشغيلية إلى فرص لإحياء البيئة أو دعم المجتمع
عندما تُدار المشاريع بهذه الطريقة، يمكنها أن تتحول إلى محركات تعافي بيئي واقتصادي، لا إلى مصادر عبء إضافي.
خاتمة
التحول من ” عدم الإضرار “ إلى ” التجديد “ ليس خطوة بسيطة، بل تغيير جذري في العقلية والنظام. وهو ما يدعو إليه دليل GPM من خلال منهجه المتكامل الذي يعيد تعريف إدارة المشاريع لتصبح أداة لإحياء العالم، لا فقط أداة لإدارته. في زمن تتزايد فيه الاحتياجات البيئية والاجتماعية، يصبح المشروع التجديدي ليس مجرد خيار، بل مسؤولية. والمسؤولية ليست عبئًا… بل فرصة لإعادة بناء المستقبل.
📚 المصدر:
GPM Global. Sustainable Project Management: The GPM Practice Guide (3rd Edition)



