الإستدامةتخزين الطاقة

كيف تختار الصناعات أنظمة تخزين الطاقة المناسبة؟ اعتبارات حاسمة في طريق إزالة الكربون

مقدمة

مع تصاعد الضغوط العالمية لخفض الانبعاثات الكربونية، لم يعد القطاع الصناعي قادرًا على الاكتفاء بتحسين كفاءة الطاقة فقط، بل أصبح مطالبًا بإعادة النظر في بنية الطاقة التي يعتمد عليها. وفي هذا السياق، برزت أنظمة تخزين الطاقة (Energy Storage Systems – ESS) كأداة استراتيجية تُمكّن الصناعات من دمج الطاقة النظيفة، وتحقيق مرونة تشغيلية أعلى، وخفض التكاليف والانبعاثات في آن واحد.

غير أن نشر أنظمة تخزين الطاقة في التطبيقات الصناعية لا يُعد قرارًا تقنيًا بحتًا، بل هو عملية معقّدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية، والتشغيلية، والموقعية، ومتطلبات السلامة. وتحدد هذه العوامل مجتمعة مدى نجاح أو فشل حلول التخزين في البيئات الصناعية.

أولًا: التكلفة ومخاطر الاستثمار… العامل الحاسم

تُعد التكلفة من أكثر العوامل تأثيرًا في قرارات تبنّي أنظمة تخزين الطاقة في القطاع الصناعي. فغالبية المنشآت الصناعية تعمل وفق توقعات فترات استرداد قصيرة، مع حساسية عالية تجاه الاستثمارات الرأسمالية (CAPEX) لذلك، غالبًا ما تمثل التكلفة العائق الأول أمام اعتماد تقنيات التخزين.

وتختلف التكاليف الرأسمالية والتشغيلية (OPEX) لأنظمة التخزين باختلاف التطبيق الصناعي، وطبيعة العمليات، ومتطلبات التشغيل، مثل:

  • درجات الحرارة،
  • مستويات الضغط،
  • نوع وسيط نقل أو تخزين الحرارة.

فالتقنية المناسبة لتخزين الكهرباء قد لا تكون بالضرورة مناسبة لتخزين الحرارة الصناعية، والعكس صحيح، ما يستدعي تحليلًا دقيقًا للتكلفة الكلية لدورة الحياة  (Life Cycle Cost)

ثانيًا: نضج التكنولوجيا… بين الأمان والابتكار

يميل المصنعون تقليديًا إلى تفضيل التقنيات الناضجة والمجرّبة، خاصة في البيئات الصناعية الحساسة التي لا تحتمل التوقف أو المخاطر التقنية العالية. ولهذا السبب، تحظى تقنيات التخزين واسعة الانتشار بفرص اعتماد أكبر مقارنة بالحلول الناشئة.

ومع ذلك، بدأت بعض الصناعات في تبنّي تقنيات أقل نضجًا نسبيًا، خصوصًا عندما تقدم:

  • فوائد واضحة في خفض الانبعاثات،
  • توافقًا أفضل مع أهداف الاستدامة،
  • وفرًا اقتصاديًا على المدى الطويل.

ويعكس هذا التوجه تحولًا تدريجيًا في عقلية الاستثمار الصناعي، من التركيز الحصري على المخاطر قصيرة الأجل إلى تبنّي رؤية استراتيجية أطول أمدًا.

ثالثًا: قابلية التوسع واقتصاديات الحجم

تلعب قابلية التوسع (Scalability) دورًا محوريًا في اختيار حلول التخزين المناسبة. ففي المواقع الصناعية الصغيرة أو المتوسطة، تُعد الأنظمة المعيارية صغيرة الحجم خيارًا جذابًا، إذ تسمح بتقليل الاستثمار الأولي وإمكانية التوسع التدريجي وفق الحاجة.

في المقابل، تتيح الأنظمة كبيرة النطاق المشتركة داخل التجمعات أو المناطق الصناعية تحقيق وفورات كبيرة ناتجة عن اقتصاديات الحجم  (Economies of Scale)، سواء من حيث التكلفة أو كفاءة التشغيل. ويُعد هذا النموذج واعدًا بشكل خاص في المناطق الصناعية المتكاملة التي تسعى إلى حلول طاقة جماعية ومنخفضة الانبعاثات.

رابعًا: العوامل الجغرافية

يؤثر الموقع الجغرافي للمصنع بشكل مباشر في نوع تقنية التخزين المختارة. فتوافر الأراضي، ومتطلبات كثافة الطاقة، والقيود العمرانية، كلها عوامل تحدد ما إذا كانت الحلول المدمجة أو الأنظمة كبيرة الحجم هي الأنسب.

  • في المناطق الحضرية، غالبًا ما تُفضَّل الحلول ذات الكثافة الطاقية العالية والحجم الصغير.
  • أما في المواقع النائية أو الصناعية المفتوحة، فتكون الخيارات أوسع، ما يسمح باستخدام أنظمة تخزين أكبر وأكثر تنوعًا.

خامسًا: سهولة التكامل مع البنية التحتية القائمة

من الاعتبارات الحاسمة في التطبيقات الصناعية سهولة دمج أنظمة التخزين مع البنية التحتية الحالية. وتميل المنشآت الصناعية إلى تفضيل التقنيات التي:

  • تتطلب حدًا أدنى من المعدات المساندة (Balance of Plant)،
  • لا تستدعي تغييرات جذرية في خطوط الإنتاج،
  • يمكن ربطها بسهولة بأنظمة التحكم والطاقة القائمة.

فكلما زادت تعقيدات التكامل، ارتفعت التكاليف والمخاطر التشغيلية، ما يقلل من جاذبية الحل المقترح.

سادسًا: مطابقة درجات حرارة العمليات الصناعية

في التطبيقات الصناعية الحرارية، لا يكفي مجرد تخزين الطاقة، بل يجب أن تكون درجة حرارة الطاقة المخزنة متوافقة مع متطلبات العملية الصناعية. فعدم التطابق بين درجة حرارة التخزين ودرجة حرارة الاستخدام يؤدي إلى:

  • انخفاض الكفاءة،
  • ارتفاع التكاليف،
  • ضعف الجدوى الاقتصادية.

لذلك، يُعد اختيار تقنية التخزين القادرة على تلبية متطلبات الحرارة المستهدفة عاملًا أساسيًا في نجاح الحل.

سابعًا: السلامة وإدارة المخاطر

تُعد السلامة عنصرًا غير قابل للتفاوض في البيئات الصناعية، خاصة عند التعامل مع أنظمة:

  • تعمل تحت ضغط عالٍ،
  • أو عند درجات حرارة مرتفعة،
  • أو تعتمد على مواد قابلة للتفاعل.

وتسهم البنية التحتية القائمة—مثل شبكات البخار الصناعية—في تقليل تحديات التكامل وتحسين مستويات الأمان، شريطة تصميم النظام وفق معايير السلامة المعتمدة.

خلاصة: قرار متعدد الأبعاد

يُظهر الواقع الصناعي أن نشر أنظمة تخزين الطاقة ليس قرارًا تقنيًا منفردًا، بل هو قرار استراتيجي متعدد الأبعاد. فالتكلفة، ونضج التكنولوجيا، وقابلية التوسع، والموقع، والتكامل، ومتطلبات الحرارة، والسلامة، كلها عوامل مترابطة تحدد في مجموعها مدى الملاءمة التقنية والاقتصادية والتشغيلية لحلول التخزين في القطاع الصناعي.

وتؤكد دراسات حديثة، من بينها تقارير CSIRO، أن النجاح في إزالة الكربون الصناعي يعتمد بشكل كبير على اختيار حلول تخزين طاقة مصممة خصيصًا لظروف كل موقع صناعي، بدل الاعتماد على حلول عامة موحّدة.

المصدر

Commonwealth Scientific and Industrial Research Organisation (CSIRO). (2023).
Renewable Energy Storage Roadmap.

تقرير استراتيجي يقدّم خارطة طريق شاملة لتقنيات تخزين الطاقة المتجددة، مع تركيز خاص على التطبيقات الصناعية، واعتبارات النشر، والتكلفة، والسلامة، والتكامل مع البنية التحتية.
متاح عبر:
https://www.solarpaces.org/wp-content/uploads/23-00033_SER-FUT_REPORT_RenewableEnergyStorageRoadmap_WEB_230310.pdf

م. نادية مهدي

مهندسة كهرباء. خبيرة معتمدة من مؤسسة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في إدارة أنظمة الطاقة، حاصلة على درجة الماجستير في هندسة الكهرباء، أسعى لنشر الوعي وإثراء المحتوى المتخصص في مجال كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى حصري