آسيا والمحيط الهادئ في صدارة إعادة توظيف وتدوير بطاريات المركبات الكهربائية

مقدمة
من تحدي النفايات إلى منجم حضري جديد للطاقة والمواد الخام
خلال العقد الماضي، انصبّ التركيز العالمي على انتشار المركبات الكهربائية: أرقام المبيعات، الحوافز الحكومية، شبكات الشحن، وأهداف خفض الانبعاثات. غير أن سؤالًا أقل بريقًا، لكنه أكثر إلحاحًا، بدأ يفرض نفسه بقوة : ماذا يحدث لبطاريات المركبات الكهربائية عندما لا تعد صالحة للاستخدام على الطرق؟
في منطقة آسيا-المحيط الهادىء (APAC)، حيث يتسارع التحول إلى التنقل الكهربائي يوميًا على مستوى الشوارع والمدن، لم يعد هذا السؤال افتراضيًا. فمع دخول ملايين البطاريات إلى دورة الاستخدام، أصبح التعامل مع نهاية عمرها التشغيلي مسألة استراتيجية صناعية وأمن طاقي، وليس مجرد قضية بيئية.
الحياة الثانية للبطاريات: من الطرق إلى الشبكة
في مقاطعة ماي هونغ سون الجبلية شمال تايلاند، التي عانت طويلًا من ضعف الشبكة الكهربائية والانقطاعات المتكررة، ظهر حل عملي وذكي: إعادة توظيف بطاريات مركبات كهربائية متقاعدة لتخزين الطاقة الشمسية.
لا سدود جديدة، ولا محطات فحم، بل استخدام ذكي لتقنية كان يُعتقد أن عمرها انتهى. هذا النموذج ليس تجربة معزولة، بل معاينة مبكرة لنظام تعمل عدة حكومات آسيوية على بنائه: تمديد عمر البطارية من خلال تطبيقات التخزين الثابت، وتأجيل مرحلة التدوير لسنوات إضافية.
بطاريات اليوم… منجم الغد
لطالما حذّر النقاد من أزمة نفايات بطاريات وشيكة: خلايا ميتة، تسربات سامة، ومدافن ممتلئة بما كان يُسمى يومًا حلًا أخضرًا. تقليديًا، تبدأ البطاريات رحلتها من الأرض:
- الليثيوم من أستراليا
- الكوبالت من جمهورية الكونغو الديمقراطية
- النيكل من إندونيسيا
لكن المفارقة أن طنًا واحدًا من بطاريات المركبات الكهربائية المستعملة يحتوي غالبًا على ليثيوم وكوبالت قابلين للاستخلاص أكثر مما يحتويه طن من الخام الجديد. وعليه، فإن التخلص من البطاريات ليس إهدارًا للنفايات، بل دفنًا لقيمة اقتصادية حقيقية، النسبة للدول محدودة الموارد الطبيعية، لم يعد التدوير سياسة بيئية فقط، بل ركيزة للتنمية الصناعية.
المخاطر الخفية: حرائق الليثيوم والتحديات اللوجستية
تحمل بطاريات الليثيوم-أيون مخاطر حقيقية أثناء النقل والتخزين. فالضرر الميكانيكي، أو السخونة الزائدة، أو التعرض للمياه المالحة قد يؤدي إلى الانفلات الحراري (Thermal Runaway)، وهو تفاعل تسلسلي شديد الصعوبة في الإيقاف، وقد تعاود البطارية الاشتعال بعد ساعات أو أيام.
قطاع الشحن البحري اختبر هذه المخاطر عمليًا. ففي عام 2022، اشتعلت النيران في سفينة الشحن Felicity Ace في المحيط الأطلسي أثناء نقلها نحو 4,000 مركبة، بينها سيارات كهربائية وهجينة. استمر الحريق قرابة أسبوعين قبل أن تغرق السفينة، لتتحول الحادثة إلى جرس إنذار عالمي.
كابوس الجمع والنقل… نصف تكلفة التدوير
أحد أكبر التحديات في تدوير البطاريات ليس المعالجة نفسها، بل إعادتها إلى سلسلة التدوير.
جمع بطاريات ثقيلة، قابلة للاشتعال، وخطرة من آلاف الورش وساحات الخردة يمثل كابوسًا لوجستيًا، ويشكل نحو 50% من التكلفة الإجمالية للتدوير. يتطلب نقل البطاريات المتضررة حاويات خاصة، أنظمة إطفاء، كوادر مدربة، وأطر تنظيمية واضحة. وفي كثير من الأسواق النامية، هذه البنية التحتية غير موجودة، ما يخلق منطقة رمادية خطرة من التخزين العشوائي والقنوات غير الرسمية.
التبديل بدل الشحن: النموذج الآسيوي المختلف
في كثير من الحالات، تتجاوز تكلفة نقل البطارية قيمتها المعدنية. هنا يبرز نموذج تبديل البطاريات الذي تبنته عدة دول آسيوية كحل جذاب. على عكس الغرب، حيث تُشحن السيارات في مرائب خاصة، تعتمد المدن الآسيوية الكثيفة على نماذج تشاركية.
في فيتنام، تعمل شركة VinFast على نشر شبكة ضخمة تستهدف 150,000 منفذ تبديل بطاريات.
وفي الصين، أنجزت شركة NIO أكثر من 90 مليون عملية تبديل بطارية حتى نهاية 2025، ما يجعل عملية الجمع مركزية ومنظمة منذ اليوم الأول.
دروس من الإخفاق… والجدل حول التوحيد القياسي
لكن الطريق ليس مفروشًا بالنجاح. فقد أعلنت شركة الطاقة التايلاندية الحكومية PTT إغلاق شركتها التابعة Swap & Go بحلول 2026، بعد فشلها في إيجاد نموذج أعمال مستدام في سوق ما زالت تهيمن عليه الدراجات النارية العاملة بالبنزين الرخيص.
في الوقت ذاته، يحتدم الجدل حول قابلية التوافق (Interoperability) : هل يجب على الحكومات فرض شكل موحد للبطاريات؟ بينما يبدو التوحيد مغريًا تنظيميًا، ترى الشركات المصنعة أنه قد يقيّد الابتكار، ليبقى القطاع في حالة ترقّب.
بطاريات LFP آمنة… ولكن بلا حوافز اقتصادية
تعتمد معظم دول آسيا على بطاريات LFP فوسفات حديد الليثيوم نظرًا لانخفاض تكلفتها وارتفاع مستوى الأمان. غير أنها لا تحتوي على كوبالت أو نيكل مرتفعي القيمة، ما يجعل تدويرها غير مجدٍ اقتصاديًا دون دعم حكومي.
هنا تبرز التجربة الصينية كنموذج عالمي. فقد بنت الصين أحد أكثر أنظمة تدوير بطاريات المركبات الكهربائية تقدمًا، مدفوعًا بسياسات المسؤولية الممتدة للمنتِج (EPR). من خلال نظام القائمة البيضاء لوزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، لا يُسمح بالتدوير إلا لشركات معتمدة مثل GEM و Brunp، مع منصة تتبع وطنية تمنح كل بطارية رمزًا فريدًا من 24 رقمًا لمراقبة دورة حياتها بالكامل.
الشفافية الرقمية: جواز سفر البطارية
على المستوى العالمي، لم تعد الحكومات تترك الأمور للصدفة. فقد أطلق الاتحاد الأوروبي مفهوم Battery Passport، وهو توأم رقمي لكل بطارية صناعية. ابتداءً من 2027، سيكشف رمز QR واحد عن كيمياء البطارية، أصلها، حالتها الصحية، وبصمتها الكربونية، ما يعالج أزمة الثقة في سوق إعادة الاستخدام والتدوير.
من المركبات إلى مراكز البيانات
المنطق بسيط: إذا أمكن تمديد عمر البطارية 10–15 سنة إضافية في تطبيقات التخزين الشبكي، فإن بصمتها الكربونية تنخفض جذريًا. حتى الشركات الأميركية الكبرى تسير في هذا الاتجاه؛ إذ تعاونت General Motors مع Redwood Materials لاستخدام بطاريات متقاعدة في دعم مراكز البيانات، ما يثبت أن أجزاء السيارات القديمة يمكن أن تغذي ثورة الذكاء الاصطناعي.
الخلاصة: من أزمة محتملة إلى فرصة تاريخية
تمتلك منطقة آسيا-المحيط الهادئ، بمدنها الكثيفة وأسطولها الضخم من الدراجات والمركبات الكهربائية، فرصة فريدة لقيادة العالم في إعادة توظيف وتدوير بطاريات المركبات الكهربائية. لكن النجاح يتطلب تجاوز دعم الشراء فقط، نحو تمويل ”الجزء الخلفي“ من المنظومة: حوافز لتدوير بطاريات LFP، أطر واضحة لتبديل البطاريات دون خنق الابتكار، وبروتوكولات عابرة للحدود لإدارة نفايات البطاريات. عندها فقط، سيتحول هدر الثورة الكهربائية إلى أغلى أصولها. فمنجم المستقبل لن يكون حفرة في الأرض، بل تدفق الموارد عبر شوارع مدننا.
📚 المصدر
pv magazine Australia. (2026, January 28). APAC can lead charge on repurposing and recycling EV batteries. https://www.pv-magazine-australia.com/2026/01/28/apac-can-lead-charge-on-repurposing-and-recycling-ev-batteries/



